تعبير ثقافي

أطلانتس .. الحضارة المفقودة

بداية .. هي أطلانتس كما ذكرها أفلاطون في محاورتيه الشهيرتين تيمايوس و كريتياس .. و التي يروى في بعض المصادر أنه قد سمع قصتها من شاعر و مشرع يوناني عظيم يدعى "طولون" أو صولون .. و الذي كان بدوره قد سمعها من كهنة معبد سايس المصري في زمن الفراعنة .. و في مصادر أخرى نجد أن أحد أطراف المحاورة هو من قص حكاية أطلانتس و التي رواها له جده صولون الذي قام هو الآخر بنقلها عن كاهن مصري قديم ..
لا يهم .. ما يهمنا في الأمر هو .. هل فعلا كانت توجد قديما حضارة مثل حضارة أطلانتس !؟ .. و إن وجدت فعلا .. هل كانت بذلك العلم و التطور اللذان صورهما لنا أفلاطون في محاورتيه الشهيرتين و اللذان يمثلان تصور هذا الأخير للمدينة الفاضلة كما يصفها !؟ ..
كبداية للقصة .. يقول أفلاطون أن أطلانتس هي جزيرة كبيرة أو قارة كما يحلو للبعض تسميتها .. ظهرت إلى الوجود قبل 9000 سنة من وقت كتابته لتلك المحاورة .. يقول أفلاطون أن مساحة أطلانتي أكبر من مساحة آسيا الصغرى و ليبيا مجتمعتين (ليبيا كانت تمثل شمال إفريقيا في ذلك الوقت) .. و أنها كانت تقع خلف أعمدة هرقل المعروفة في وقتنا الحالي بمضيق جبل طارق .. كما يقدم لنا وصفا دقيقا و يخبرنا بأنها كانت بمثابة جنة الله فوق الأرض أو الأرض الموعودة كما سماها، و التي تعيش عليها مختلف الحيوانات كما أنها ذات تربة خصبة بحيث تنمو فيها جميع أنواع النباتات ..
يقول أفلاطون أن شعب أطلانتس كان شعبا متحضرا بدرجة كبيرة و متخلقا و ملما بمختلف العلوم و المعارف بحيث بلغ من التطور في ذلك الوقت ما كان يسبق الشعوب الأخرى بآلاف السنين .. و لكن و فجأة .. طغى هذا الشعب المتحضر فوق الأرض و أصبح يعيث فيها فسادا .. و بدأ في الإعتداء على ما جاوره من الشعوب شرقا و غربا و اغتصاب أراضيهم بحيث أنهم قاموا بغزو أجزاء كبيرة من أوروبا و إفريقيا و أمريكا اللاتينية إلى أن دخلوا في حرب مع أثينا .. و يقول أفلاطون أنه بفضل الآلهة و شجاعة رجال آثينا تمكن الآثينيون من الإنتصار على الشعب الأطلنتي و دفعه بعيدا عن أرضهم .. و في تلك الليلة و بعودة الأطلسيين إلى جزيرتهم، ثارت البراكين و ضربت الجزيرة سلسلة متوالية من الزلازل و الفيضانات الأمر الذي أدى إلى هلاكها و غرقها و من عليها في قاع المحيط بين ليلة و ضحاها ..
حسنا .. بتركيزنا على نص المحاورة .. نجد أن أفلاطون ربما كان قد بالغ قليلا في تعبيره عن التطور و العلم بخصوص أطلانتس إضافة إلى ذكر آلهة اليونان و مساعدتها في الحرب ضد الأطلسيين حيث يذهب بعد الأدباء إلى أن أفلاطون قد صاغ هذه الأسطورة بهدف إيصال رسالة أخلاقية لا غير و أن القصة لا أساس لها من الوجود ..
و لكن .. و بتمعننا في تاريخ هذه الحضارة .. نجد أنه قد تم ذكرها في مناسبات عديدة .. فلقد ورد ذكر أطلانتس لأول مرة حوالي سنة 360 ق.م في محاورتين لأفلاطون .. كما تم ذكرها في مخطوطة مصرية على ورق البردي تدعى مخطوطة هاريس طولها 45 متر و تعود إلى زمن الفراعنة القدماء حيث تصف المصير الذي لاقته قارة أطلانتس و هي متواجدة الآن في المتحف البريطاني، و تم ذكرها أيضا في رسالة الخاصة بالفرعون نفسه و هي متواجدة الآن بمتحف في مدينة بيترسبيرغ بروسيا حين طالب فيها الفرعون بإرسال بعثات إلى مناطق معينة من هذا العالم بهدف البحث عن هذه الجزيرة .. إضافة إلى تواجد خريطة محفوظة في مكتبة مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة التي تم العثور عليها عام 1929 بقصر السلطان التركي "توبكابي" و التي يرجح أنها كانت تخص المستكشف الشهير كولومبوس حيث تظهر رسما لجزيرة ما لم يعد لها وجود في وقتنا الحالي و التي يعتقد بعض العلماء أنها لجزيرة أطلانتس المفقودة .. كما قام زعيم الحزب النازي أدولف هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية بتغيير وجهة مجموعة من الطائرات و دفعها للبحث عن أي أثر لهذه الجزيرة في بعض الأماكن لاعتقاده أن الجنس الآري هو نسل الأطلسيين القدماء ..
فلو صدق هذا القول و كانت أسطورة أطلانتس حقيقة .. فإن اكتشافها سيترتب عنه اكتشاف علم و معرفة لم يسبق لها مثيل في تاريخنا المعاصر، خصوصا أن بعض العلماء يرجحون أنها كانت مهد جميع الحضارات المتطورة التي نعرفها كالحضارة المصرية و حضارة شعب المايا و غيرها الكثير .. لو نظرنا إلى هذه النظرية من زاوية معينة فقد نجد أنها تتفق نسبيا مع الأدلة التاريخية المتواجدة .. فلو درسنا تاريخ الحضارة المصرية مثلا، فلن نجد لها بداية .. كل ما نعرفه عنها أنها كانت متطورة جدا في مختلف العلوم كالرياضيات و الهندسة و طب و الكثير الكثير .. فهل يعقل لحضارة أن تتواجد من العدم ..!؟ .. من دون المرور بمراحل التطور الروتينية المعروفة !؟ ..
جواب هذا السؤال قد يكون بفعل تواجد حضارة أخرى كانت تسبق الحضارة المصرية .. و قد استمدت هذه الأخيرة منها هذا التطور الملحوظ مختصرة بذلك مراحل تطور الحضارات المعروفة لنا جميعا .. و الأرجح أن تلك الحضارة هي حضارة أطلانتس المفقودة .. إضافة إلى ذلك .. فلا يمكن ضحد إمكانية تواجد حضارة مثل أطلانتس بسبب أنها أسطورة ذكرت في محاورتين لأفلاطون فقط .. فأدلة عدم تواجدها مساوية تماما لأدلة وجودها .. فكم من أسطورة ظهر بفعل الزمن أنها حقيقة !؟ .. كمدينة طروادة الأسطورية مثلا !! .. و التي كان قد ذكرها هوميروس في ملحمتيه الشهيرتين الإلياذة و الأوديسا، و التي قص علينا فيها حكاية مليئة بالفنتازيا و الخيال و التسويق حول هذه المدينة .. ولا يخفي علينا أنه قبل اكتشاف مدينة طروادة من طرف الألماني "هنريس شوليمان" أي حوالي 1871 كان العالم يظن أن هذه المدينة ما هي إلا أسطورة حالها حال أطلانتس تماما .. إلا أن اكتشافها كان بمثابة إحياء الأمل مرة أخرى في إمكانية تواجد حضارة كأطلانتس .. و بعده جاء السير "آرثر إيفانز" ليؤكد أن "قصر ألتيه" الذي جاء ذكره في أسطورة المينوتوروس حقيقي و يثبت وجوده بالفعل عام 1900 .. فمادام شوليمان و إيفانز قد عثرا على أسطورتين .. فلما لا يأتي ثالث و يعثر على أسطورة ثالثة و يثبت بأن أطلانتس حقيقة !؟ ..
و من هذا المنطلق بدأ الباحثون و المهتمين بحضارة أطلانتس المفقودة بالعمل إلى أن جاء ذلك اليوم .. سنة 1940 .. حيث أعلن الوسيط الروحي "إيدجار كايسي" أنه يتوقع بروز جزء من قارة أطلانتس المفقودة بجانب جزر الباهاماس بين عامي 1968 و 1969 .. و المفاجأة أن نبوءته قد تحققت بنفس التفاصيل التي ذكرها تماما .. حيث برزت بجانب جزر الباهاماس جزيرة صغيرة عليها مباني و أطلال أثرية و مكعبات صخرية ضخمة مربعة بمقدار 90 درجة بالضبط مما يلغي احتمالية تشكلها بفعل عوامل طبيعية .. إضافة إلى عثور العلماء على سور طوله أكثر من 120 كم بالقرب من فينزويلا و درجات سلم منحوتة بالقرب من بورتوريكو .. كما تم العثور على سلسلة جبال في قعر المحيط الأطلسي غرب مضيق جبل طارق صورتها بعثة روسية بواسطة غواصة تدعى AcademianPetrovsky عام 1974 . و بعد دراسة نوعية سلسلة الجبال هذه، تبين أنها كانت في القديم على سطح المحيط ..ويقول الباحثون انها كانت جزءاً من القارة المفقودة، اطلانتس .. إضافة إلى عثور العلماء على جمجمة من كريستال الكوارتز تم في عام 1924 على رأس معبد مهدم في هندوراس تحمل تفاصيل دقيقة جداً لجمجمة إنسان عادي دون أي أثر لأية خدوش عليها، حيث ينسب بعض أشهر علماء عصرنا هذا جمجمة الكريستال هذه إلى الحضارة المندثرة .. أطلانتس ..
وكالعادة تفتقر كل هذه النظريات و الأدلة إلى الإثبات العلمي القوي .. و حتى لحظة كتابة هذه الأسطر .. مازال عشرات العلماء يبحثون عن قارة أطلانتس الضائعة .. و التي أصبحت قارة الغموض والخيال في عقول العلماء والأدباء .. عشرات النظريات تحدثت عنها .. مئات المقالات و الكتب كتبت باسمها .. أعداد لا حصر لها من الروايات الخيالية تفترض وجودها والعثور عليها، و ينسج الخيال مغامرات مثيرة داخلها عن حضارتها و تقدمها و عن شعبها الغامض ..
أولئك الذين أقاموا في زمن ما أكثر حضارات التاريخ غموضا وإثارة ..
و الذين تزعموا العالم يوما ما ..
والذين ذهبوا ..
بلا عودة..!

#الماضي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق